مجد الدين ابن الأثير
40
النهاية في غريب الحديث والأثر
وفى حديث معاوية ( أنه رأى رجلا يجيد الأكل فقال : إنه لمخضد ) الخضد : شدة الأكل وسرعته . ومخضد مفعل منه ، كأنه آلة للأكل . ( ه ) ومنه حديث مسلمة بن مخلد ( أنه قال لعمرو بن العاص : إن ابن عمك هذا لمخضد ) أي يأكل بجفاء وسرعة . ( خضر ) ( ه ) فيه ( إن أخوف ما أخاف عليكم بعدي ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا ، وذكر الحديث ، ثم قال : إن الخير لا يأتي إلا بالخير ، وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم ، إلا آكلة الخضر ، فإنها أكلت حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت عين الشمس فثلطت وبالت ثم رتعت ، وإنما هذا المال خضر حلو ، ونعم صاحب المسلم ، هو لمن أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل ) هذا الحديث يحتاج إلى شرح ألفاظه مجتمعة ، فإنه إذا فرق لا يكاد يفهم الغرض منه : الحبط بالتحريك : الهلاك . يقال حبط يحبط حبطا ، وقد تقدم في الحاء . ويلم : يقرب . أي يدنو من الهلاك . والخضر بكسر الضاد : نوع من البقول . ليس من أحرارها وجيدها . وثلط البعير يثلط إذا ألقى رجيعه سهلا رقيقا . ضرب في هذا الحديث مثلين : أحدهما للمفرط في جمع الدنيا والمنع من حقها ، والآخر للمقتصد في أخذها والنفع بها . فقوله : إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم ، فإنه مثل للمفرط الذي يأخذ الدنيا بغير حقها ، وذلك أن الربيع ينبت أحرار البقول فتستكثر الماشية منه لاستطابتها إياه ، حتى تنتفخ بطونها عند مجاوزتها حد الاحتمال ، فتنشق أمعاؤها من ذلك فتهلك أو تقارب الهلاك ، وكذلك الذي يجمع الدنيا من غير حلها ويمنعها مستحقها قد تعرض للهلاك في الآخرة بدخول النار ، وفى الدنيا بأذى الناس له وحسدهم إياه ، وغير ذلك من أنواع الأذى . وأما قوله إلا آكلة الخضر ، فإنه مثل للمقتصد ، وذلك أن الخضر ليس من أحرار البقول وجيدها التي ينبتها الربيع بتوالي أمطاره فتحسن وتنعم ، ولكنه من البقول التي ترعاها المواشي بعد هيج البقول ويبسها حيث لا تجد سواها ، وتسميها العرب الجنبة ، فلا ترى الماشية تكثر من أكلها ولا تستمرئها ، فضرب آكلة الخضر من المواشي مثلا لمن يقتصد في أخذ الدنيا وجمعها ، ولا يحمله الحرص على أخذها بغير حقها ، فهو بنجوة من وبالها ، كما نجت آكلة الخضر ،